ابن أبي الحديد

271

شرح نهج البلاغة

العباس ، كمحمد المهدي ، وهارون ، ومحمد بن زبيدة ، وعبد الله المأمون ، وجعفر المقتدر ! بل لعل جود بعض صنائع هؤلاء كبني برمك وبنى الفرات ، أعظم من جود الرجلين اللذين ذكرتموهما ، بل من جميع ما جاء به خلفاء بني أمية . وأما ما ذكرتم من حلم معاوية فلو شئنا أن نجعل جميع ساداتنا حلماء لكانوا محتملين لذلك ، ولكن الوجه في هذا ألا يشتق للرجل اسم إلا من أشرف أعماله وأكرم أخلاقه ، وإلا أن يتبين بذلك عند أصحابه حتى يصير بذلك اسما يسمى به ، ويصير معروفا به ، كما عرف الأحنف بالحلم ، وكما عرف حاتم بالجود ، وكذلك هرم ، قالوا : هرم الجواد ، ولو قلتم : كان أبو العاص بن أمية أحلم الناس ، لقلنا : ولعله يكون قد كان حليما ، ولكن ليس كل حلم يكون صاحبه به مذكورا ، ومن أشكاله بائنا . وإنكم لتظلمون خصومكم في تسميتكم معاوية بالحلم ، فكيف من دونه ، لان العرب تقول : أحلم الحلمين ألا يتعرض ثم يحلم ، ولم يكن في الأرض رجل أكثر تعرضا من معاوية ، والتعرض هو السفه ، فإن ادعيتم أن الاخبار التي جاءت في تعرضه كلها باطلة ، فإن لقائل أن يقول : وكل خبر رويتموه في حلمه باطل ، ولقد شهر الأحنف بالحلم ، ولكنه تكلم بكلام كثير يجرح في الحلم ويثلم في العرض ( 1 ) ، ولا يستطيع أحد أن يحكي عن العباس بن عبد المطلب ولا عن الحسن بن علي بن أبي طالب لفظا فاحشا ، ولا كلمة ساقطة ، ولا حرفا واحدا مما يحكى عن الأحنف ومعاوية . وكان المأمون أحلم الناس ، وكان عبد الله السفاح أحلم الناس . وبعد فمن يستطيع أن يصف هاشما أو عبد المطلب بالحلم دون غيره من الأخلاق والأفعال حتى يسميه بذلك ، ويخص به دون كل شئ فيه من الفضل ! وكيف وأخلاقهم متساوية ، وكلها في الغاية ! ولو أن رجلا كان أظهر الناس زهدا ، وأصدقهم للعدو لقاء ، وأصدق الناس لسانا ،

--> ( 1 ) يثلم في العرض ، أي ينال منه ويقع فيه .